أبو الليث السمرقندي
445
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
فافعل ذلك على وجه الإضمار . وهذا كما قال في آية أخرى : مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ [ الحج : 15 ] الآية . وروى محمد بن المنكدر : أن جبريل قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إن اللّه أمر السماء أن تطيعك ، وأمر الأرض أن تطيعك ، وأمر الجبال أن تطيعك ، فإن أحببت أن ينزل عذابا عليهم قال : « يا جبريل أؤخر عن أمتي لعل اللّه أن يتوب عليهم » . ثم قال : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى يعني : لهداهم إلى الإيمان . ويقال : ولو شاء لاضطرهم إلى الهدى كما قال في آية أخرى إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ [ الشعراء : 4 ] ومعناه : ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى قهرا وجبرا ، ولكن ما فعل وكلفهم وتركهم فاختيارهم . ثم قال : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ يعني : بأنه لو شاء لهداهم . وقال الضحاك : يعني : القدر خيره وشره من اللّه تعالى ، فلا تجعل معرفة ذلك بعد البيان . ثم قال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 36 إلى 38 ] إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 36 ) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 37 ) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 ) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني : يطيعك ، ويصدقك الذين يسمعون منك كلام الهدى والمواعظ . قال الزجاج يعني : يسمع سماع قابل . فالذي لا يقبل كأنه أصم . كما قال القائل : أصم عما ساءه سميع . ويقال : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ بأنه يؤمن بك بعضهم ، ولن يؤمن بك البعض . وإنما يؤمن بك الذي وفقه اللّه للهدى وهو أهل لذلك . وقال : إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني : يعقلون الموعظة . ثم قال : وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ أي : كفار مكة سماهم اللّه موتى ، لأنه لا منفعة لهم في حياتهم يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ يعني يحييهم بعد الموت ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ يعني الكفار في الآخرة فينبئهم ، فهذا تهديد لهم .